حبيب الله الهاشمي الخوئي

58

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

سقوط أوراق الأشجار ( فيسقط تترى ) أي شيئا بعد شيء ( وينبت تباعا ) بدون فترة بينهما ( فينحت ) أي يسقط ( من قصبه انحتات أوراق الأغصان ثمّ يتلاحق ناميا ) وذلك في الرّبيع إذا بدء طلوع الأوراق ( حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف ) لون ريشه الثّاني ( سالف ألوانه ولا يقع لون في غير مكانه ) . ثمّ أشار إلى ما هو ألطف وأدقّ مما مضى وأعظم في الدّلالة على قدرة الصّانع المتعال فقال : ( وإذا تصفّحت شعرة واحدة من شعرات قصبه أرتك ) تلك الشعرة من شدّة بصيصها ألوانا مختلفة فتارة ( حمرة ورديّة وتارة ) أخرى ( خضرة زبرجديّة وأحيانا صفرة عسجديّة ) . ثمّ عقّب ذلك باستبعاد وصول الأذهان الثاقبة إلى وصفه وقال : ( فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن ) أي الفطن العميقة التي من شأنها إدراك دقايق الأشياء والعلم بوجوه الأمور على ما ينبغي ( أو تبلغه قرائح العقول ) أي تناله العقول بجودة الطَّبيعة من قولهم لفلان قريحة جيّدة يراد استنباط العلم بجودة الطبع ( أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين و ) الحال أنّ ( أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه والألسنة أن تصفه ) ولا ريب أنّ الشّعرة أقلّ الأجزاء الَّتي بها قوام الحيوان . والمراد بيان عجزها عن ادراك علل هذه الألوان على اختلافها واختصاص كلّ من مواضعها بلون غير الاخر وعلل هيئاتها وساير ما أشار إليه ، أو إظهار عجزها عن إدراك جزئيّات الأوصاف المذكورة وتشريح الهيات الظاهرة والخصوصيات الخفيّة في خلق ذلك الحيوان ، فانّ ما ذكره عليه السّلام في هذه الخطبة تشريحه وإن كان على غاية البلاغة وفوق كلّ بيان في وصف حاله إلَّا أنّ فيه وراء ذلك جزئيّات لم يستثبتها الوصف . وهذا هو الأقرب والأنسب بما عقّبه به من تنزيهه تعالى أعني قوله : ( فسبحان الَّذي بهر العقول ) وغلبها ( عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا مكوّنا ) أي موصوفا بالحدود والتكوين و ( مؤلَّفا ) من الأجزاء ( ملوّنا ) بالألوان المختلفة